محمد بن علي الشوكاني
5066
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
الجزية لقوله : { حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون } ( 1 ) فاستدل بها من قال : إنها تؤخذ منهم بإهانة فيجلس الآخذ ، ويقوم الذمي ، ويطأطئ رأسه ، ويحني ظهره ، ويضعها في الميزان ، ويقبض الآخذ لحيته ، ويضرب لهزمته ، ويرد به عليهم النووي ( 2 ) حيث قال : إن هذه هيئة باطلة . واستدل بالآية من قال : إن أهل الذمة يتركون في بلد أهل الإسلام ؛ لأن مفهومها الكف عنهم عن أدائها ، ومن الكف أن لا يجلوا . ومن قال : هي عوض حقن الدم فلا أجرة الدار انتهى ، والمراد من ذلك أنه يعطونها في حال هم صاغرون فيه أي صغار ، إذ الجملة الحالية إنما يقيد العامل بمضمونها ، فمعنى وهم صاغرون في حال صغار . ولا يخفى أن لفظ صغار يصدق بأدنى شيء من الصغار ، ولا يشترط أن يخلفه شيء آخر من الصغار . وأما ما لحظ إليه من الدوام أي دوام كل صغار على كل فرد ، فإن أراد الدوام بالفعل فلا يقول له ؛ لما يلزم عنه من اللوازم ، وإن أراد بالقوة فلا نزاع . وما في القوة ليس واجب الوجود . قوله [ 3 ] : واعتبار السكاكي ، والشريف ، وصاحب المجاز للمقامات غير قادح في المطلوب لقضاء المقام بذلك بلا نزاع فهو إجماع . أقول : هذا الزمخشري وغيره لم يفهم ما فهمته من دوام الصغار ، وعموم أنواع
--> ( 1 ) [ التوبة : 29 ] . ( 2 ) في " روضة الطالبين " ( 10 / 316 ) : حيث قال : هذه الهيئة المذكورة لا نعلم لها على هذا الوجه أصلا معتمدا ، وإنما ذكرها طائفة من أصحابنا الخراسانيين ، وقال جمهور الأصحاب ، تؤخذ الجزية برفق ، كأخذ الديون ، فالصواب الجزم بأن هذه الهيئة باطلة مردودة على من اخترعها ، ولم ينقل أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولا أحد من الخلفاء فعل شيئا منها مع أخذهم الجزية .